محمد هادي معرفة
278
التمهيد في علوم القرآن
والثاني : أنّ التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قوالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدّا . والثالث - وهو الوسط : أنّ السجع لمّا كان زينة للكلام لكنه قد يدعو إلى التكلّف فرئي أن لا يستعمل في الكلام ، وإن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا . . . ولكن يقبل من الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا ، بخلاف التكلّف . قال : وهذا - أي ترجيحه في الجملة - رأي أبي الفرج قدامة بن جعفر صاحب كتاب « نقد الشعر » ( توفي سنة 337 ) . قال : وكيف يعاب السجع على الإطلاق ، وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب ، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب . وإنما لم يجيء على أسلوب واحد لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرّا على نمط واحد ، لما فيه من التكلّف ، ولما في الطبع من الملل عليه . ولأنّ الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد . فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع ، وبعضها غير متماثل « 1 » . قلت : والسجع هي مقاطع الكلام المبنية على الوقف في فواصل متقاربة . وفي القرآن منه الشيء الكثير ، وهو أمر لا ينكر ، لكنه ليس من النوع المتكلف فيه ، وإنّما هو من المذلّل السهل التابع للمعاني والسجع إذا كان على هذا الوصف كان جميلا ، والقرآن كلّه جميل ، ويناسبه كلّ وسائل الجمال . أنحاء الفواصل لمقاطع الكلام - سواء الفواصل والأسجاع - أنحاء عند أهل البديع :
--> ( 1 ) البرهان للزركشي : ج 1 ص 59 - 60 .